أخبار حديثة

ads top

الجماعات الإسلامية المعاصرة وشروط مشروعيتها

لا خلاف على أن الأصل في هذه الأمة هو الوحدة: وحدة الجماعة، ووحدة الراية، ووحدة القيادة تأسيسًا على وحدة العقيدة، ووحدة الكتاب المنزَّل، ووحدة النبي المُرسَل صلى الله عليه وسلم، وأن الأصل في التعددية: أنها ظاهرة مرفوضة، وأن الذي فرضها على الأمة غياب الخلافة الإسلامية الراشدة، فقام الأئمة الأعلام بالدعوة إلى الله، ثم نشأت هذه الجماعات وتعدَّدت.
ولا خلاف على ذم كل تعددية؛ سواء كانت جماعات أم أحزابًا، أم غير ذلك من الكيانات، التي ينشأ عنها التعصب الذي يفضي إلى التفرق، ويمنع من التنسيق والتعاون في الثوابت والمحكمات، وفي أوقات الجهاد والدفع العام.
إن هاتين المقدمتين تضعانا أمام سؤال مهم ويحضر بقوة في هذه الأيام في الواقع المصري الذي اختلطت فيه الأوراق، وتباينت المواقف والاجتهادات، وتصاعدت فيه الخلافات، وتوالت فيه الاتهامات- وهذا السؤال- في ظل هاتين المقدمتين- يدور حول شروط استمرار القول بمشروعية هذه الكيانات والجماعات عند من يقول بهذه المشروعية، وهذه الشروط يمكن تناولها من خلال عدة محاور هي:
1- التأكيد على أن التعدد المقبول هو تعدد التخصص، والتنوع وليس تعدد التضاد والتنازع:
وبدون هذا الطرح يتحول واقع هذه الرايات المتنازعة إلى واقع فتنة، ويمتهد السبل إلى القول باعتزالها جميعًا، أو على الأقل يصبح لهذا القول حظٌّ من النظر، ومندوحة في بعض مقالات أهل العلم، كما قال الطبري: «متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابًا، فلا يتبع أحدًا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع؛ خشية من الوقوع في الشر».
ويجب على هذه الجماعات جميعًا أن تدرك أنها مهدَّدة بانعدام الشرعية، إذا لم تؤسس نظرتها إلى التعدد على هذا النحو، وترسم من خلاله إطارًا للتكامل والتراحم، وتمهد به الطريق إلى إقامة الجماعة التي جاءت بها النصوص بمفهومها العام والشامل.
ولهذه النظرة آثار مهمة ولازمة في علاج واقع تلك الجماعات، والأسباب التي أدت إلى الاحتقان بينها؛ ومن هذه الآثار: زوال عقدة الانغلاق على النفس، والاستعلاء على الآخرين، وامتهاد الطريق إلى مزيد من التواصي والتناصح، وقطع السبيل على قالة السوء ودعاة الفتنة، وتصحيح النظرة إلى الآخرين، وانتهاء التشنيع عليهم بالجزئية والقصور؛ لأنه في ظل هذا التصور لا حَرج في الجزئية أو التخصص، وما تقصر فيه جماعة تتداركه جماعة أخرى، فتتكامل هذه الجماعات في أداء هذه الفروض الكفائية، ويرتفع الإثم عن الجميع.
2- الاتفاق على الكليات والثوابت والتغافر في موارد الاجتهاد:
وذلك من خلال الانطلاق على أساس جملة من المبادئ والركائز تؤكد على أن:
- منهج أهل السنة والجماعة هو الإطار الذي يجب أن تتقيد به كافة الحركات الإسلامية.
- مسائل الإجماع يجب أن تكون موضع قبول من الجميع، وأما مسائل الاجتهاد فلا يُضيق فيها على المخالف؛ فمن عمل فيها بأحد القولين لم يُنكر عليه ولم يُهجر.
- مسائل الخلاف المعتبر هو خلاف أهل العلم، لا خلاف العامة وأشباهههم، وأن الاجتهاد المبني على الموازنة بين المصالح والمفاسد من دقائق الفقه، التي يجب أن تفوض إلى أهل العلم، ولا مدخل في ذلك للعامة ولا لأشباه العامة.
-أهمية بحث قضايا الخلاف المنتشرة بين كافة الفصائل، وتحرير محل النزاع فيها، من خلال تشكيل لجان علمية متخصصة من المبرزين من أهل العلم في كل فصائل التيار الإسلامي؛ بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة حولها، وتحديد الموقف الصحيح منها، في ضوء قواعد الشريعة وأصولها ومبادئها، وفي إطار المنهج الصحيح للتعامل مع مسائل الاجتهاد، التي لا يضيق فيها على المخالف.
 3- عقد الولاء على أساس الانتماء إلى أهل السنة والجماعة، وليس على أساس الانتماء إلى الجماعة:
وهذا المحور من آكد المحاور وأكثرها خطورة وأهمية؛ إذ هو التطبيق العملي لما تقدم من محاور، إضافة إلى كونها حجر الزاوية في الخلاف حول مشروعية هذه الجماعات.
فالواجب ألا يعلق الحمد والذم، والقرب والبعد، والعداوة والولاية، والمحبة والبغضة، إلا على أساس الكتاب والسنة؛ حتى لا تخترق سياج الأخوة الإيمانية العامة برسوم هذه الجماعات ولا بقوالب هذه التنظيمات.
4- توحيد الموقف في المهمات والمصالح العامة، والتنسيق والتعاون بينها:
وهذا من مقتضيات تعدد التخصص والتنوع الذي هو أساس القبول بتعدد هذه الجماعات كخطوة مرحلية؛ ومن لوازم ذلك وحدة الموقف في مواجهة القضايا العامة، التي ينعكس أثرها على مجموع العاملين، ولا يختص بها فريق من العاملين دون فريق.
ومن لوازم ذلك أيضًا التنسيق بين هذه الجماعات في التحركات العملية، أما التعددية المنغلقة على ما تمحورت عليه من اجتهادات وبرامج، الرافضة لللتنسيق والتعاون؛ فهي تعددية مرفوضة لا محالة؛ لأنها تبدد الجهود، وتهدر الطاقات، وتتيح الفرصة لغلبة الخصوم.
5- تبادل التسديد والتناصح:
فالقول بأن التعدد القائم في ساحة العمل الإسلامي تعدد تخصص وتنوع، وليس تعدد تنازع وتضاد، لا يعني بالضرورة إقرار الخطأ، أو التفريط في بذل النصيحة الواجبة، فإن الدين النصيحة، وهي حقٌّ لكل مسلم على أخيه «لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»، كما جاء في الحديث، وأحق الناس بها في هذا المقام هم هؤلاء الذين تنادوا إلى أمر جامع من الدعوة، أو الجهاد حماية للمسيرة من الزَّلل وضنًّا بها عن أن تتفرق في الشعاب والأودية.
وإذا كانت من الضرورة بمكان أن يلتزم المسلمون في تناصحهم بهدي الإسلام في ذلك؛ من تجديد النية، والمسارَّة بالنصيحة، والرفق في بذلها، وتحين الوقت الملائم للتقدم بها، فإن هذه الضرورة تزداد إن كان الواقع واقع فتنة، ولدعاة السوء كيد في التحريش بين المؤمنين، وضرب قلوب بعضهم ببعض.
مع التأكيد على تجنب توجيه النصيحة إلى المخالف، أو التشنيع عليه من خلال المنابر العامة، سواء أكانت شعبية أم حكومية، وإن من تلبيس الشيطان في هذه الحالة أن يغري بهذا التشنيع من منطلق النصيحة، أو الصدع بالحق، أو الإنكار على أهل البدع أو نحوه، وكل هذا من تلبيس الشيطان وكيده.
فإن النصيحة لمسلم مجاهد في واقع فتنة لا تكون من خلال المنابر العامة، التي يشهدها أوباش الناس، وتتطاير أنباؤها إلى الطواغيت وخصوم الإسلام، ولا يستفيد من ذلك إلا أعداء هذه الدعوة، وأبسط ما فيه أن يرد عليه الآخرون بالمثل، ويتحول وجود الدعاة في هذه المواقع من هداة مرشدين إلى خصوم متنازعين، فيفتن العامة وتُفقد الثقة في الدعوة والدعاة، وينفض الناس عن الجميع، إضافة لما يتضمنه من استعداء الطواغيت على الجميع.
 6- تبنِّي المفهوم الصحيح لجماعة المسلمين:
وذلك بأن تدرك كل جماعة من هذه الجماعات أنها جزء من جماعة المسلمين وليست هي الجماعة، التي يجب على غيرها أن يتبعها لا محالة، أو أنها وحدها على الحق وأن على غيرها أن يجيء إلى هذا الحق، فإن هذا التصور قد أرهق هذه الجماعات من أمرها عسرًا، وهو أحد أبرز أسباب تكريس التنازع بينها طوال العقود الماضية.
ولأجل تحقيق ذلك فلا بد من إحياء مفهوم جماعة المسلمين في إطارها العلمي، وأنها هي: الكتاب والسنة على رسم منهاج النبوة، فكل من كان على هذه الجادة فهو من جماعة المسلمين في أي تجمع كان، بل ولو لم يكن في تجمع على الإطلاق.
وأما جماعة المسلمين في إطارها السياسي -عند انعدام الولاية الإسلامية- فهي جماعة أهل الحل والعقد، وهم كل متبوع مطاع في ساحة العمل الإسلامي، وهم موزَّعون بين قادة هذه الجماعات وبين غيرهم من أكابر العلماء والدعاة والمطاعين، وليس أحد من هؤلاء أولى من الآخر في ادعاء تمثيله لهذه الجماعة، وإنما الرشد أن نجمع بين هؤلاء؛ لتجتمع من خلال اجتماعهم كلمة الأمة.
ولا شك أن وضوح الرؤية على هذا النحو في هذه القضية يمهِّد السبيل لعمل إسلامي متكامل لا أثرة فيه ولا تشاحن، يتعاون الجميع فيه على الخير، وتتوارى فيه الرغبة في احتواء الآخرين، وتمتهد به الطريق إلى جماعة المسلمين.
ثم تحديد ما يحتمل منها ترجيحًا للمصالح المتحققة في هذا التعدد، مع الاجتهاد في تعطيل تلك المفاسد أو تقليلها ما أمكن، ورأب الصدع بين هذه الجماعات ونزع أسباب الفرقة، من خلال إحياء فقه الاختلاف وآدابه وقواعده، وليس بتبديع هذه الجماعات أو السعي في نقضها والدعوة إلى اعتزالها.
وأخيرًا؛ فمما لاشك فيه أن من أهم عوامل ترشيد هذه الجماعات والكيانات، هو السعي الحثيث لإحياء دور العلماء الربانيين، والتأكيد على حضورهم وإيجابيتهم وصدعهم بالحق وأهمية سعيهم في توحيد الصف وجمع الكلمة والتنسيق في المواقف العامة والنوازل الطارئة.

ولاشك أن مثل هذا الواقع وممارسات قيادات وأبناء تلك الجماعات والكيانات يضع شرعية تلك الجماعات على المحك؛ وهذا يضع أمام قادة تلك الجماعات ومنتسبيها خيارًا واحدًا فقط لتُرشِّد مسيرتها، وتراجع مسارها، وتعالج مساوئها، من خلال محاور المشروعية السابقة. 
بقلم: د.هشام برغش
Share on Google Plus

About fg

Ut wisi enim ad minim veniam, quis nostrud exerci tation ullamcorper suscipit lobortis nisl ut aliquip ex ea commodo consequat. Duis autem vel eum iriure dolor in hendrerit in vulputate velit esse molestie consequat, vel illum dolore eu feugiat nulla facilisis at vero eros et accumsan et iusto odio dignissim qui blandit praesent luptatum zzril delenit augue duis.

0 comments:

إرسال تعليق