تميز الإسلام بالسماحة واليسر وصلاحية التطبيق فى كل زمان ومكان؛ فتعاليمه السمحة تنبثق من علم الله بطبيعة النفس البشرية. لكن ابتعاد الإنسان عن هدى الإسلام جرّ عليه الكثير من المفاهيم الخاطئة التى تطمس وجه الحق، وتزيف الحقائق، وتقوض أركان عقيدته، مما يوجب على علماء الأمة ضرورة تصحيح الصورة، والقيام بأعباء تلك الحرب الضروس، ووضع الأمور فى نصابها.
ومن أهم هذه المفاهيم الخاطئة القول بسبق النظم
الوضعية والثقافة الغربية بإقرار حقوق العدل والمساواة منذ انطلاق الثورة الفرنسية
فى 26 أغسطس 1789م التى كانت مبادئها: الحرية، العدل، المساواة.
وغاب عن نظر الكثيرين أن الإسلام سبق إلى إقرار
هذه المبادئ منذ انطلاق دعوته؛ فقد قرر حرية العقيدة حين قال تعالى: «لاَ إِكْرَاهَ
فِى الدِّينِ» البقرة: 256، وقرر العدل حين قال تعالى: «وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ
وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى» الأنعام: 152، وقرر المساواة حين قال المصطفى -صلى الله
عليه وسلم: «الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربى على أعجمى إلا بالتقوى»،
وبذلك سبق الإسلام -زمنياً- النظريات الوضعية إلى إقرار هذه المبادئ. ليس هذا فحسب،
بل إن ما عرفته فكرة الحضارة الغربية حديثاً فى باب حقوق الإنسان، قد عرفته الحضارة
الإسلامية بل ومارسته قديماً لا كمجرد حقوق للإنسان، وإنما كفرائض إلهية، وتكاليف
وواجبات شرعية.
لا نقول هذا الكلام رجماً بالغيب، ولا تقولاً على
الله -عز وجل-
فالله تعالى جعل إقامة هذا الدين تكليفاً فرضه على الإنسان، وكما هو
معروف أن «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فإن هذا الدين لا يقوم على الظلم،
ولا يقوم مع الكيل بمكيالين، فإقامة الدين، وحفظ الضرورات الخمس، لا تقوم إلا على
الحرية والعدل والمساواة وغيرها، لذلك فهى من الواجبات لا الحقوق.
بل ذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك حين قرر أن حفظ
البدن والنفس مقدم على حفظ الدين؛ لأن الدين لا يقوم إلا بالمحافظة على تلك النفس
وهذا البدن، فعلى النفس تقع التكاليف الشرعية، الأمر الذى يستوجب المحافظة على صحة
البدن وبقاء النفس للقيام بهذه التكاليف، والعمل على إقامة الدين.
على النفس تقع التكاليف الشرعية، الأمر الذى يستوجب المحافظة على صحة البدن وبقاء النفس للقيام بهذه التكاليف
وبذلك ارتفع الإسلام بهذه المبادئ إلى درجة
الضرورات التى لا يجوز لأحد أن يتنازل أو يتخلى عنها مكرهاً أو راضياً، فكما لا
يستطيع الإنسان أن يعيش بلا طعام أو شراب أو مسكن، فكذلك لا يستطيع العيش بلا حرية.
والإسلام السمح لا يقف عند هذا الحد، فإنه لا
يكتفى بتقرير هذه المبادئ، وجعلها من ضرورات الحياة، بل يتعدى ذلك إلى إطلاق صفة
العموم على هذه الضرورات، فمنحها لكل بنى البشر بغض النظر عن الجنس أو اللون أو
العرق أو الدين؛ ليثبت بذلك تهاوى العنصرية الغربية، وليجعل الجميع على قدم
المساواة؛ لأننا نعيش فى سفينة واحدة، فالربان والعامل يتكاتفان للوصول بها إلى بر
الأمان.
0 comments:
إرسال تعليق