أخبار حديثة

ads top

مفهوم الدعوة والجهاد في سبيل الله وحكمهما في الاسلام


إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عيده ورسوله  أما بعد

أولا : رسالة الدعوة إلى الله عز وجل :

ما هي الدعوةُ إلى الله - عز وجل - ؟

ما حكم الدعوةُ إلى الله - عز وجل - و كيف السبيلُ االيها - ؟


في البداية، يجب علينا أن نَعلَم أن الدعوةَ إلى الله ليست مقتَصِرة على الدعاة فقط، بل على كلِّ مسلمٍ. من الجدير

  بالاهتمام لمن عَرَف أهميةَ الدعوةِ إلى الله تعالى، ولمس الحاجة الماسَّة إليها في مجتمعاتنا - أن يَعرِف بعضَ القواعد التي يَنبَغِي استحضارُها وتطبيقُها في واقعِنا؛ لتكونَ دعوتُنا مؤثِّرةً ناجحةً، وتصلَ إلى مبتغاها: فهناك بعضُ القواعد العامة المُعِينة في الدعوة إلى الله - تعالى :
أ - : قوَّة الصَّلَة بالله، والاستعانة به، والتوكُّل عليه :
إن أهمَ زادٍ للداعيةِ في طريقِه لتبليغ دعوةِ الله إلى الناس - هو اتصالُه بالله تعالى، واعتمادُه عليه، وتفويضُ جميعِ أمورِه إليه؛ فقلوب الناس بين أصابعه  سبحانه  كقلبٍ واحدٍ يُقَلِّبها كيف يشاء، ولو شاء لهَدَى الناس كلَّهم أجمعين، فبالاعتماد عليه، وتفويض الأمور إليه، تنفَتِح الأبواب، ويَسهُل الصعب، ويقرب البعيد.وكيف يكون السبيل إلى ذلك؟


يكون بالبَدْء الصحيح لكلِّ أمورِنا في الحياة، فعند البَدْءِ بأي أمرٍ من أمورِنا، تكون النيةُ الصادقة لله - عز وجل - وصدقُ الاعتمادِ عليه، والتوكُّلُ عليه سبحانه.

عند البَدْء في الدعوة نَستَحضِر جميع النياتِ؛ من ابتغاءِ وجهِ الله - تعالى - ورضاه عنا، ونشر الإسلام، ورفع شأنه في كلِّ مكان، والرغبة في أن نكونَ هداةً مهدِيِّين، وأن يَهدِيَنا الله ويَهدِيَ بنا، والدعوة إلى اتِّباع دين الله وسنةِ أشرف الخلق سيِّدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وإظهار عظمةِ دينِنا الإسلام للناس أجمعين، والأخذِ بيد مَن نستطيعُ إلى طريق الهداية ، فما أجملَ أن يهدِيَ بنا الله أحدًا من غيرالمسلمين ،

وليستَحضِر كلٌّ منا كلَّ النياتِ قبل البَدْء في طريقِ الدعوة، ويُخْلِص عملَه لوجهِ الله، ويَصدُق مع الله؛ ليَصدُقه الله، ويعينه على طريق الدعوة، الطريق إلى الجنة.

يأتي بعدَ النيةِ الخالصةِ دورُ الاعتمادِ على الله والتوكُّلِ عليه حقَّ توكُّلِه، وكما قال الشيخ ابن عثيمين: "التوكُّل: هو صدقُ الاعتمادِ على الله، بجلبِ المنافعِ، ودفعِ المضارِّ".
اجتَهِد في تصحيح النيَّة قبل أن تبدأ عملاً، ثم اجعَل شعارَك: "العملُ المتواصلُ مع الصبرِ الجميلِ"، وإيَّاك أن تقعَ في تناقضِ القولِ والعمل؛ فتكونَ صادًّا عن سبيل الله من حيث لا تدري، فالناس تَعتَبِرك أنت الدعوةَ؛ فكن حجَّة لهذا الدين، لا حجَّة عليه ،

ب - : كسب القلوب :
إن كسبَ القلوبِ فنٌّ يَكثُر فيه الكلام، ونحن سنتكلَّم فقط عن فنِّ كَسبِ القلوبِ عامَّة، كخلقٍ مميز للمسلم، وكيف يُعِيننا كسبُ القلوبِ على إتمام رسالتِنا الدعوية؟

كسبُ قلوبِ الناسِ؛ لتدعوَهم، ويكونوا دعاة إلى الله - سبحانه وتعالى - من أفضلِ الأشياء، تأتي الأهمية؛ لأنه إذا كَسَبتَ قلوبَ الناس، تكون هي وسيلة لتقبُّلِ الحقِّ، وتقبُّل كلامك، ويكون كلامُك كلامًا مسموعًا عندهم، كما أن كسبَ القلوبِ يؤدِّي إلى ترابط أفراد المجتمع.

إن الداعيةَ إلى اللهِ - عز وجل - يَنبَغِي أن يكونَ ذا قلبٍ كبيرٍ يَسَع الناسَ جميعًا بمختلف أوضاعهم، ونفسياتهم، وجنسياتهم، ويتَعَامَل معهم برِفقٍ، ويُقدِّم لهم أفضلَ ما عنده من فنونِ التعامل، ويتخيَّر لهم أفضلَ القولِ، وأجملَ المنطق، مع بذل الندى، وكفِّ الأذى.

وهنا نأتي لسؤال مهم: كيف تَكسِب قلوبَ الناس؟

1- ولنا في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ:
لنا في رسولِنا الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أسوةٌ حسنة في كلِّ شيءٍ، ومنه نتعلَّم كيفيةَ كسبِ القلوبِ والدعوةِ إلى الله - عز وجل - فهي رسالته وهَدْيُه إلينا - صلى الله عليه وسلم

ولقد كَسَب النبي - صلى الله عليه وسلم - قلوبَ مَن حوله، مع مجانبةِ تقليدِهم في انحرافاتهم؛ فكانوا يسمُّونه "الصادق الأمين" قبل أن يُبعَث، فقد ملك قلوبَ الناسِ بحسن خلقه وسماحته.

قال - تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ 4 القلم، وقال - سبحانه -: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ 128 التوبة .

2- مساعدةُ الناسِ من حولك، وقضاء حوائجهم؛ لأن النفوسَ جُبِلت على حبِّ مَن أحسن إليها.
إن من السمات المميِّزة للدعاة إلى الله - تعالى - كرمَهم، وبذْلَهم كلَّ خيرٍ للناس؛ فيَبْذُلون للناسِ الخلقَ الحسنَ، والجاه إن احتيج إليه، ويَبْذُلون ما يَستَطِيعون للناس من مرتفقات هذه الدنيا؛ ليبيِّنوا لهم أنهم ليسوا طلابَ دنيا، وأن الدنيا آخرُ اهتماماتِهم، فيَبْذُلون الدنيا للناسِ؛ ليستَجلِبوا قلوبَهم إلى الدين؛

 فمنهج رسولِنا - صلى الله عليه وسلم - هو منهج العطاء والبَذلِ؛ فقد كان الأعرابيُّ يَرجِع إلى قومِه، ويقول : يا قومِ أَسلِموا؛ فإن محمدًا يعطى عطاءَ مَن لا يَخشَى الفقروالله - عز وجل - يقول: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ 195 البقرة



 3- الحِلْم والرِّفْق:
أن تكونَ حليمًا مع الناس، وسَيطِر على نفسك، واكظم غيظَك، فلا تَغضَب.

إذا ما أخطأ الناسُ في حقِّك: سبَّك، أو وَعَدك وأخلف، أو تأخَّر بموعد، حَاوَل أن يشهِّر بك - لا تَفعَل إلا شيئًا واحدًا: ادعُ له، اضحَك في وجهِه، وانسَ ما فعله معك، والتَمِس له الأعذار.

إن العجلةَ، والهوجَ، والطيش في أخذِ الأمور، وتناولِ الأشياء - كفيلةٌ بحصولِ الضرر، وتفويتِ المنفعة؛ لأن الخير بُنِي على الرِّفق: (ما كان الرِّفْقُ في شيءٍ إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شَانَه).

إن الرِّفْق في التعامل تُذْعِن له الأرواح، وتَنقَاد له القلوب، وتَخشَع له النفوس. 

إن الرَّفيقَ من البشر مفتاحٌ لكلِّ خير، تستَسلِم له النفوس المستعصية، وتَثُوبُ إليه القلوب الحاقدة؛ ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾159 آل عمران .
 
4- السماحة والاعتدال والتواضع:
أن تكون سمحًا في المعاملةِ، حَاوِل ألا يكونَ كلامُك بصيغةِ الأمرِ، وكُنْ بشوشًا؛ فالكلامُ الطيِّب يُخْرِج الحيَّة من وكرِها، وشرُّ الناسِ عند اللهِ مَن تركه الناسُ اتقاءَ فُحشه.وأهمُّ شيءٍ هو الاعتدال في كلِّ شيء؛ فلا تبالِغ في محاولةِ كسبِ  الناسِ ومدحهم، وإنما اقتَصِد واعتَدِل في ذلك؛ ﴿ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ 3 الطلق


ولا تَحُطَّ من مكانة أحدٍ أبدًا، ولا تُشعِرهم بالدونية، ولا تعبَس في وجههم؛ فيكرهوك، ولكن كن ممن يتواضَع لهم، ويبتسم في وجهِهم، ويوطئ كنفه لهم: ﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ 88 الحجر .

وتميز في فنِّ كسبِ الناس من أجل دعوتهم إلى الله؛ وذلك بأن تقول لهم قولاً حسنًا: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾83 البقرة
وتذكَّر:ابدأ الناسَ بالسلامِ، وحَيِّهم بالبسمة، وأَعِرْهم الاهتمام؛ لتكن حبيبًا إلى قلوبهم، قريبًا منهم، فكان الله في عون
  العبد ما كان العبد في عون أخيه.وتذكَّر أن المسلمين يَحتَرِمون الكلمة الطيبة، والاختلافُ في الرأي لا يُفسِد للوُدِّ قضيةً.


5- إذا كنت تُرِيد أن تكون من الدعاة، يجب ألا يخالِف قولُك عملَك: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ 44 البقرة. (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) 2 الصفات


أنتَ أحرى بالانتفاعِ بما تقولُ، ولسانُ الحالِ أبلغُ من لسانِ المقالِ.العلم يَهتِف بالعمل، فإن أجَابَه، وإلا ارتحل.

وكما قال الإمام علي :  رضي الله عنه . خيرٌ من القولِ فاعلُه، وخيرٌ من الصوابِ قائلُه، وخيرٌ من العلم حاملُه.

6- الصبر طريق النجاح والتفوُّق:
﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ90 يوسف.

وإن طريقَ الدعوةِ إلى الله - تعالى - هو طريقُ الجنةِ، الذي تَعِب فيه الأنبياء.

قال ابن القيم - رحمه الله -:
"والطريقُ طريقٌ تَعِب فيه آدم، وناح لأجلِه نوحٌ، ورُمِي في النار الخليلُ، وأُضجِع للذبح إسماعيل، وبِيع يوسف بثمنٍ بخسٍ ولَبِث في السجن بضعَ سنين، ونُشِر بالمنشار زكريا، وذُبِح السيد الحَصُور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوبُ، وزاد على المقدار بكاءُ داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواع الأذى محمدٌ - صلى الله عليه وسلم".

وتلخيصًا لما قيل؛ فإن هناك عدَّة نقاطٍ هامة للدعوة إلى الله، وهى:
الحكمة في الدعوة إلى الله:
1- أن نقوم بمعرفةِ الأشخاص الذين أمامنا.
2- اغتنامُ الفرصةِ من أجل الدعوة إلى الله، بحيث تكونُ في وقتٍ مناسبٍ للمدعوِّ.
3- أن تحاوِل كسبَ قلبِه، فيَجِب عليك أن تتودَّد للمدعوِّ إلى الله.
4- أن تحاوِل بالترغيب أولاً مع المدعو وبالكلمة اللطيفة؛ حتى يرحِّب المدعوُّ بدعوتك إلى الله.
5- الجدال بالتي هي أحسن، وأن أبتعدَ عن الاستهزاء في الجدال والهدوء بالجدال.
6- نستمع إلى المدعو بآذان مصغية؛ حتى يحس بالاهتمام.
7- أن يكون الداعي إلى الله على بصيرة، بحيث يتَّبع أحسنَ السبلِ في الدعوة إلى الله، والجمع بين الترغيب والترهيب.
8- أن تكون قدوةً لمن تدعوه، بحيث مثلاً يجب أن تكون مصليًا حين تدعو إلى الصلاة، ولا يجوز أن تكون لا تصلي وتدعو إلى الصلاة.
9- عدمُ الدخولِ إليه في الموضوع مباشرة؛ حتى تكسِب قلبَه في الحوار.
10- يجب أن يكون لك طموحٌ في الدعوة إلى الله.
11- التوكُّل على الله، والأخذ بالأسباب، والدعاء.
إنها كلماتٌ جميلةٌ:
كُنْ مع اللهِ كما يريدُ، يَكُن معك فوقَ ما تُرِيد

ثانيا : رسالة الجهاد في سبيل الله  عز وجل .

ما هو الجهاد في سبيل الله  عز وجل - ؟

ان من المفاهيم التي ضاعت عند أبناء الأمة الإسلامية؛ مفهوم الجهاد، بل لا أبالغ إن قلت أن لفظ كلمة "الجهاد"؛ أصبح غريبا عند الكثيرين، بسبب بعد الأمة عن هذه العبادة، وترك الدعوة إليها، وتسلط الحكومات العلمانية على بلاد المسلمين التي أضاعت مفاهيم الولاء والبراء ،

 وعملت على نزع روح الجهاد من الإسلام والمسلمين، وإشاعة أن الإسلام؛ إنما هو بعض الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام وبعض الأذكار، وربط أي محاولة جهادية؛ بألفاظ الإرهاب والتطرف والخروج، وغير ذلك من أوصاف يصف بها الذين كفروا الذين آمنوا ، هذا مع الفتنة الكبيرة التي ألقاها أدعياء العلم، وعلماء السلطة؛ من أن الجهاد
 إنما هو جهاد النفس والهوى
،وهذا تضليل كبير ،
 المعنى الصحيح للجهاد الذي أراده الله تبارك وتعالى، وأمر به النبي عليه الصلاة والسلام : 

هو. لغة : مأخذ من الجهد .وهو الطاقة والمشقة ، يقول ابن منظور: (وجاهد العدو مجاهدة وجهادا قاتله وجاهد في سبيل الله )  
وشرعا : بذل الجهد في قتال الكفار، لإعلاء كلمة الله عز وجل ، وفي الحديث: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، الجهاد: محاربة الأعداء ، وهو المبالغة واستفراغ الوسع والطاقة من قول أو فعل، والمراد بالنية: إخلاص العمل لله

 أي أنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة لأنها قد صارت دار إسلام، وإنما هو الإخلاص في الجهاد وقتال الكفار، والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء) 
وعن عمرو بن عبسة قال: قال رجلٌ: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: (أن يسلم قلبك لله عز وجل وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك)، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: (الإيمان)، قال: وما الإيمان؟ قال: (تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت)، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: (الهجرة)، قال: فما الهجرة؟ قال: (تهجر السوء)، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: (الجهاد)، قال: وما الجهاد؟ قال: (أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم)، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: (من عقر جواده وأهريق دمه)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما؛ حجةٌ مبرورةٌ أو عمرةٌ) [رواه أحمد وابن ماجه].
ومن خلال هذا التفسير للجهاد الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسر علماء الإسلام الجهاد.

قال ابن حجر رحمه الله: (بذل الجهد في قتال الكفار ) وقال القسطلاني رحمه الله: (قتال الكفار لنصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله).

وقال الكاساني رحمه الله: (وفي عرف الشرع؛ يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتل في سبيل الله عز وجل بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك أو المبالغة في ذلك).
وقد يطلق الجهاد في النصوص الشرعية على غير قتال الكفار:





  • كما قال صلى الله عليه وسلم: (المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه).

    وقوله صلى الله عليه وسلم للذي استأذنه في الجهاد أحي والداك؟ قال: نعم، قال: (ففهيما فجاهد).

    ولكن لفظ الجهاد إذا أطلق؛ فالمراد به قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، ولا ينصرف إلى غير قتال الكفار إلا بقرينة تدل على المراد - كما في الحديثين السابقين -

    يقول ابن رشد: (وجهاد السيف؛ قتال المشركين على الدين، فكل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).

    ومما يدل على أن الجهاد إذا أطلق ينصرف إلى قتال الكفار ما يلي:


    1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال صلى الله عليه وسلم: (لا أجده)، قال صلى الله عليه وسلم: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟)، قال: ومن يستطيع ذلك؟!

    قال أبو هريرة: (إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات) [رواه البخاري ومسلم].

    ودلالة هذا الحديث على المراد؛ ظاهرة، فالصيام والقيام هما من جهاد النفس، ومع هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا أجد ما يعدل الجهاد)، فدل على أن المراد بالجهاد إذا أطلق: هو جهاد الكفار لا مجاهدة النفس.

    2) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله)، قالوا: ثم من؟ قال: (مؤمنٌ في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره) [رواه البخاري ومسلم].

    فالذي يتقي الله في شعب من الشعاب مجاهد لنفسه، ومع هذا صرف النبي صلى الله عليه وسلم معنى الجهاد إلى قتال الكفار.

    3) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها)، فقالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) [رواه أحمد والبخاري].

    فقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم من جلس في أرضه؛ غير مجاهد، مع أنه يجاهد نفسه على الصلاة والصيام ونحو ذلك من الجهاد النفسي على التكاليف الشرعية.

    وكل الآيات والأحاديث التي تدل على فضائل الجهاد؛ فالمراد بها الجهاد الحقيقي، وهو قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، ولا تُحمل على جهاد النفس، وكذلك علماء الإسلام من محدثين وفقهاء؛ إذا بوبوا في كتبهم للجهاد فالمراد به جهاد الكفار القتالي لا مجاهدة النفس.

    وليس جهاد النفس هو الجهاد الأكبر على الإطلاق كما يزعمه المتصوفة وأدعياء العلم الذين يثبطون الناس عن الجهاد.
  • أما حديث : ( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) فحديث ضعيف لا يصح، ضعفه البيهقي والعراقي والسيوطي والألباني في ضعيف الجامع الصغير وغيرهم رحمهم الله.

    كما أن الحديث مخالف لقول الله تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما

  • حتى أنه لو صح ؛ هذا الحديث ؛ فليس يعطي أبدا الانصراف عن الجهاد والاستعداد لإنقاذ بلاد المسلمين، ورد عادية أهل الكفر عنها، وإنما يكون معناه وجوب مجاهدة النفس حتى تخلص لله في كل عملها، فليُعلم).

    كما أن وصف قتال الكفار بالجهاد الأصغر؛ لم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا اجماع  ؛.

    ثم إن من جاهد نفسه حقيقة حتى تغلب عليها؛ فإنه يسرع إلى امتثال أمر الله عز وجل بقتال الكفار، ومن تأخر عن قتال الكفار فليس بمجاهد لنفسه على امتثال أمر الله، فالتذرع بجهاد النفس؛ من الحيل الشيطانية الصارفة للمسلمين عن جهاد أعداءهم.

    ولو كان الأمر كما يدعون؛ ما أمر الله سبحانه وتعالى ولا نبيه صلى الله عليه وسلم بقتال الكفار والحث عليه وبيان وجوبه وفرضيته وترغيب المؤمنين فيه، بذكر ثواب المجاهدين والشهداء، ولا جاء الوعيد الشديد والتوعد بالعقاب والعذاب الأليم لمن يتخلف عن الجهاد.

    فالجهاد سبيل العزة والكرامة لهذه الأمة، وهو سبب بقائها وانتشار دعوتها، وما وقعت الذلة والمهانة على هذه الأمة وتسلط أحفاد القردة والخنازير عليها إلا بسبب تركها للجهاد، وظنها أن العبادة تنحصر في الصلاة والصيام وبعض الأذكار، حتى صار أبناء الأمة ؛ كالدجاج يحصدهم الكفار في جميع أنحاء العالم ويذبحونهم ويشردونهم ويسومونهم سوء العذاب، والأمة جامدة لا تتحرك، وكأنها تنتظر أن يأتي إليها الجزار ليقضي عليها هي الأخرى.

    عن ابن عمر رصي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) [رواه أحمد وأبو داود].

    فهذا الموقف المخزي من الأمة؛ ليس بموقف أهل الإيمان، ولا أهل القرآن، ولا موقف من يدعي إتباع النبي عليه الصلاة والسلام.

    فمن أراد أن يلبسه الله تعالى لباس أهل الإيمان؛ فليستمع لقول الله تبارك وتعالى: {إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون}.

    ومن أراد أن يكتب في سجل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فليستمع لقول الله عز وجل: {لكن الرسول والذين ءامنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون}.

    ومن أراد أن يكون من أهل الجنة؛ فليستمع لقوله سبحانه: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}.

    فجاهد أخي المسلم الكريم - هداك الله - بمالك ونفسك في سبيل الله، واسلك سبيل نبيك الكريم عليه الصلاة والسلام وأصحابه الأبرار؛ يرزقك الله كرامة الدنيا والآخرة.

    فإن أنت عشت فحر عزيز، وإن أنت مت فشهيد كريم.

    {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا}، {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيزٌ}.
    ما حكم الجهاد في سبيل  الله - عز وجل - ؟

    الدعوة إلى الله  والجهاد في سبيله من أسمى الغايات و أغلا الأمنيات :

    من أسمى الغايات وأغلا الأمنيات في الدنيا الدعوة إلى الله تعالى وتوحيده، وهي دعوة الأنبياء والرسل ومَن تبعوهم بإحسان، يَبتغون مرضاة الله، ونشْر التوحيد بين الناس؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ 108 يوسف، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم : (فوالله لَأن يهديَ الله بك رجلاً خيرٌ لك مِن حُمر النَّعَم)

    وأيضًا الجهاد في سبيل الله تعالى؛  فريضة ربانية في الكتاب والسنَّة الصحيحة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ 15 الحجرات،

     وعن أبي سعيد الخُدريِّ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا أبا سعيد، مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وجبَتْ له الجنة)،

     فعَجِب لها أبو سعيد فقال: "أَعِدْها عليَّ يا رسول الله"، ففعل، ثم قال: (وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتَين كما بين السماء والأرض)، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: (الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله)







    Share on Google Plus

    About fg

    Ut wisi enim ad minim veniam, quis nostrud exerci tation ullamcorper suscipit lobortis nisl ut aliquip ex ea commodo consequat. Duis autem vel eum iriure dolor in hendrerit in vulputate velit esse molestie consequat, vel illum dolore eu feugiat nulla facilisis at vero eros et accumsan et iusto odio dignissim qui blandit praesent luptatum zzril delenit augue duis.

    0 comments:

    إرسال تعليق